ابن حجر العسقلاني
128
فتح الباري
بالانزال وليس في فعله شئ يحرم على صائم فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه بل يتم صومه اجماعا فكذلك إذا احتلم ليلا بل هو من باب الأولى وانما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارا وهو شبيه بمن يمنع من التطيب وهو محرم لكن لو تطيب وهو حلال ثم أحرم فبقى عليه لونه أو ريحه لم يحرم ذلك عليه وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الامر في حديث أبي هريرة أمر ارشاد إلى الأفضل فان الأفضل ان يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز ونقل النووي هذا عن أصحاب الشافعي وفيه نظر فان الذي نقله البيهقي وغيره عن نص الشافعي سلوك الترجيح وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ ويعكر على حمله على الارشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالامر بالفطر وبالنهي عن الصيام فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان وقيل هو محمول على من أدركه الفجر مجامعا فاستدام بعد طلوعه عالما بذلك ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبى حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه ان أبا هريرة كان يقول من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم وحكى ابن التين عن بعضهم انه سقط لا من حديث الفضل وكان في الأصل من أصبح جنبا في رمضان فلا يفطر فلما سقط لا صار فليفطر وهذا بعيد بل باطل لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث وانها يطرقها مثل هذا الاحتمال وكان قائله ما وقف على شئ من طرق هذا الحديث الا على اللفظ المذكور * وفى هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم دخول العلماء على الامراء ومذاكراتهم إياهم بالعلم وفيه فضيلة لمروان بن الحكم لما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم ومسائل الدين وفيه الاستثبات في النقل والرجوع في المعاني إلى الأعلم فان الشئ إذا نوزع فيه رد إلى من عنده علمه وترجيح مروى النساء فيما لهن عليه الاطلاع دون الرجال على مروى الرجال كعكسه وان المباشر للامر أعلم به من المخبر عنه والائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصية وان للمفضول إذا سمع من الأفضل خلاف ما عنده من العلم أن يبحث عنه حتى يقف على وجهه وان الحجة عند الاختلاف في المصير إلى الكتاب والسنة وفيه الحجة بخبر الواحد وان المرأة فيه كالرجل وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه وفيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الارسال عن العدول من غير نكير بينهم لان أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يمكنه ان يرويه عنه بلا واسطة وانما بينها لما وقع من الاختلاف وفيه الأدب مع العلماء والمبادرة لامتثال أمر ذي الامر إذا كان طاعة ولو كان فيه مشقة على المأمور * ( تكميل ) * في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها قال النووي في شرح مسلم مذهب العلماء كافة صحة صومها الا ما حكى عن بعض السلف مما لا يعلم صح عنه أو لا وكأنه أشار بذلك إلى ما حكاه في شرح المهذب عن الأوزاعي لكن حكاه ابن عبد البر عن الحسن بن صالح أيضا وحكى ابن دقيق العيد ان في المسئلة في مذهب مالك قولين وحكاه القرطبي عن محمد بن مسلمة من أصحابهم ووصف قوله بالشذوذ وحكى ابن عبد البر عن عبد الملك بن الماجشون انها إذا أخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنها في بعضه غير طاهرة قال وليس كالذي يصبح جنبا لان الاحتلام لا ينقض الصوم والحيض ينقضه * ( قوله باب المباشرة للصائم ) أي بيان حكمها